الحوسبة هي المرفق العام الأبرز في القرن الحادي والعشرين، وقد تبقى كذلك حتى وقت متقدم من القرن الثاني والعشرين.
لقد بدأ تحويل الحوسبة إلى سلعة بالفعل. إذ تتعامل الحكومات والمستثمرون المؤسسيون وشركات التكنولوجيا ومطورو البنية التحتية بشكل متزايد مع القدرة الحاسوبية بوصفها أصلًا استراتيجيًا لا مجرد نفقة تشغيلية. وفي الوقت نفسه، تشير التطورات في الترميز الرقمي للأصول (Tokenization) إلى مستقبل لا تقتصر فيه الأصول التي يمكن تمثيلها وتداولها وتمويلها رقميًا على الأصول المالية، بل تشمل أيضًا الطاقة والسلع والبنية التحتية والحوسبة ذاتها.
مجتمعةً، تشير هذه الاتجاهات إلى تحوّل عميق في الاقتصاد العالمي. فقد قام الاقتصاد الصناعي على الإنتاج المركزي، وجاء الإنترنت ليجعل المعلومات لامركزية. وقد تجعل المرحلة التالية البنية التحتية الاقتصادية نفسها لامركزية، بما يتيح للأسواق العمل بسرعة وشفافية وكفاءة غير مسبوقة.
غير أن تحقّق هذا المستقبل يتوقف على سؤال أهم بكثير: من يتحكم في الوصول؟
لا يمكن أن يقوم اقتصاد رقمي لامركزي دون إتاحة المشاركة في النشاط التجاري على نحو لامركزي. فإذا تركّز الوصول إلى الحوسبة ورأس المال والطاقة والبنية التحتية الرقمية في أيدي عدد قليل من المؤسسات، فلن يغيّر الترميز الرقمي للأصول وحده إلا القليل. وبدلًا من بناء اقتصاد أكثر انفتاحًا، نخاطر ببناء نسخة مركزية قائمة على الرموز الرقمية من النظام ذاته؛ نظام تتغير فيه أشكال الملكية بينما تبقى السلطة متركّزة.
يُظهر التاريخ أن كل مرفق عام رئيسي ينتهي به الأمر إلى تشكيل السلطة السياسية والاقتصادية. هكذا كانت الأرض، وهكذا كان النفط، وهكذا كانت الكهرباء. واليوم، بدأت الحوسبة تسلك المسار نفسه.
ليست التكنولوجيا في حد ذاتها مصدر القلق، بل السؤال هو: هل يوسّع التقدم التكنولوجي المشاركة الاقتصادية، أم يكتفي بتعزيز مكانة الجهات التي تدير منافذ الوصول إلى الموارد؟
حين يتركّز الوصول، يتباطأ الابتكار. ويجد روّاد الأعمال الصغار صعوبة في المنافسة، وتتدفق رؤوس الأموال نحو من هم في موقع يسمح لهم أصلًا بالتأثير في التنظيم والتمويل والبنية التحتية. ومع مرور الوقت، قد يتحول المنظّمون إلى مدافعين عن اللاعبين الراسخين بدلًا من أن يكونوا حماةً للأسواق التنافسية.
لا يوجد نظام اقتصادي مثالي. فالأسواق تحتاج إلى قواعد، وللمؤسسات دور مهم. لكن الخطر يبرز عندما تكفّ الجهات التي تدير منافذ الوصول إلى الموارد عن تيسير الوصول إليها، وتبدأ في التحكم فيه.
وهذا الفرق جوهري.
تأسست PermianChain انطلاقًا من هذه الملاحظة. فقد عايش مؤسسوها عن قرب كيف يمكن للأنظمة المتركّزة أن تحدّ من الابتكار، وتقيّد الوصول إلى رأس المال، وتضع عوائق غير ضرورية أمام الشركات الناشئة. وبدلًا من القبول بهذه القيود، قامت الشركة على فرضية بسيطة: ينبغي أن يوسّع الاقتصاد الرقمي المستقبلي الوصول إلى الطاقة والحوسبة والبنية التحتية الرقمية، لا أن يركّزه.
لا يزال كثيرون يرون الحوسبة شيئًا مجردًا — خوادم مخبأة داخل مراكز البيانات.
أما في الواقع، فالحوسبة مرفق عام بالفعل.
يستهلك إرسال كل رسالة بريد إلكتروني، وبث كل مقطع فيديو، وتدريب كل نموذج ذكاء اصطناعي، ومعالجة كل معاملة مالية، وتنفيذ كل استعلام بحث، بل وحتى قرارك بقراءة هذا المقال، موارد حاسوبية. ويستند كل تفاعل رقمي إلى الكهرباء والأراضي وشبكات الألياف الضوئية وأنظمة التبريد والاستثمارات الرأسمالية والكفاءات الهندسية والبنية التحتية المادية.

لم تعد الحوسبة مجرد سمة من سمات الاقتصاد الرقمي.
إنها البنية التحتية التي تتيح للاقتصاد الرقمي أن يوجد أصلًا.
ومع تسابق الدول لبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، وتسارع شركات التكنولوجيا لتأمين الطاقة والأراضي لمراكز بيانات تزداد حجمًا، يبرز سؤال أكثر جوهرية:
من يملك المرفق العام القادم في العالم؟
ربما لا تكون عملة الاحتياط الرقمية في المستقبل هي المال وحده.
ربما تكون الحوسبة.
ستؤثر الإجابة عن هذا السؤال لا في مستقبل الذكاء الاصطناعي فحسب، بل أيضًا في كيفية توزيع الثروة والفرص والحرية الاقتصادية في المستقبل.
لأن من سيطروا على المرافق الأساسية عبر التاريخ هم من شكّلوا في النهاية المجتمعات التي قامت عليها.


